إلغاء التبني لزيد ابن حارثه

إلغاء التبني

قال تعالى : الأحزاب 36
وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا

روى أن هذه الآية نزلت في عبد الله بن جحش ، وفي زينب أخته لأنها لم يتقبلا في البداية زواج زينب من زيد بن حارثة .

وزيد بن حارثة كان سُرق من أهله ثم بيع في السوق على أنه رقيق فاشتراه حكيم بن حزام ، ثم وهبه للسيدة خديجة أم المؤمنين رضى الله عنها ، ثم وهبته بدورها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . فأصبح زيد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وبينما هو في السوق ذات يوم إذ رآه جماعة من قبيلته فعرفوه وذهبوا إلى أبيه وأعمامه وقالوا لهم : إن ابنكم وجدناه في المكان الفلاني ، فلما علموا بذلك جاءوا بقضهم وقضيضهم ، وسالوا .. فدلوهم على مكانه ، فذهبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبروه القصة وقالوا له : إن ابننا هذا سُرق مبيع ولم يكن عبداً ونحن جئناك لترده إلينا ، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال لهم : خيروه فإن اختاركم فهنيئاً لكم ، وإن اختارني فما كان لي أن أسلمه ، فما كان من زيد إلا أن قال : واللهِ ما كنت لأختار على رسول الله أحداً .

فباللهِ عليكم مثل هذا التصرف كيف يكافئه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ أراد أن يكرمه كما تفعل العرب بأن يتبناه فسماه { زيد بن محمد } وكان أسمه { زيداً بن حارثة } .

فلما أراد الله تعالى أن ينهي قضية التبني والتي كانت عادة من العادات السيئة في الجاهلية شاء سبحانه أن تجيء على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله قوله : الأحزاب 4 { وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم }

وكان من أحكام التبني في الجاهلية (( أحكام بشرية ما انزل الله بها من سلطان )) أن زوجة المتبني لا يتزوجها أبوه المدعي وعلاج هذه المسأله يحتاج إلى شقين :
1) شق ينهي التبني
2) شق يتعلق بزواج طليقة الابن بالتبني

وهذا المسألة جاءت لتعدل نظاماً اجتماعياً فاسداً حتى وإن جاءت على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فالحق سبحانه وتعالى يعالج القضية علاب رب لإنفاذ الأمر في نصرة حبيب له هو رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يشوه عمله ولكن يقول : { ادعوهم لأبائهم هو اقسط عند الله } فكأنه سبحانه يقول له : إن كنت يامحمد تكافيء زيد لاختياره لك على أبيه وعشيرته بأن تتبناه وتجعله زيد بن محم فهذا عدل منك في حقه ، ولكن الله عنده عدل أفضل من هذا ، فأنت يامحمد عملت القسط بعرف البشر لكن حكم رب البشر أقسط من حكمك ، وحين يرد الله حكمك إلى حكمه ويعطيك هذا الشرف بأنك مقسط فهذا تكريم لك ؛ ولذلك قال : { هو أقسط عن الله } .

فكأن فعل الرسول صلى الله عليه وسلم كان قسطاً وعدلاً ،ولكن بقانون البشر ، ولكن الله تعالى أرسله ليغير قوانين البشر بقوانين رب البشر .

هنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تبنى زيد لأنه فضله واختاره على أبيه ، ولكن بعد أن كان زيد بن محمد ، عاد ليصبح زيد ابن حارثه ، فكأن الله تعالى يكرمه بشيء يعوضه عن ذلك ، ولهذا تجد أن العَلم الوحيد من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ذكر في القرآن بنصه وفصه هو زيد بن حارثه … قال تعالى : { فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا… الأحزاب 37 } ، فإذا كان الله تعالى حرمه من شرف الأنتساب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد جعل اسمه يُتعبد بتلاوته إلى أن تقوم الساعة .

هنا الآية تبين الحكمة من كل هذه القصة في قوله سبحنه وتعالى : { لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا } الأحزاب 37

فكان لا بد من حدوث هذا الأمر حتى ينهي الله التبني وما يترتب عليه من أحكام وعادات الجاهلية ثم نقول : هب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان له اختيار في هذه العملية ولم تكن مسبقة أو أراد الله بها شيئاً وقد حدث فرضاً ، فهل نزع الله منه الرسالة أم جعله رسولاً كما هو ؟

ظل رسولاً لله يتنزل عليه وحيه .

إذن .. فلا شيء فيها ، وهذا مثل الذين يقولون عن نبي الله يوسف عليه السلام : كيف همت به وهم بها وهو نبي وابن نبي ؟ كأنهم يغارون أكثر من الله مع أنهم لو عرفوا ملابسات الموقف لما قالوا هذا لأن هذا فضول لا أصل له .

يقول الحق سبحانه : الأحزاب 38
{ مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا }

ما دام الله هو الذي فرضها فمن أين يأتي الحرج ، فالله فرض فرضاً ونفذه رسوله لأنه مأمور بتنفيذ أوامر الله فلا شيء عليه ، وهذه مثل مسألة الإسراء تماماً حينما قالوا : أتدعي يامحمد أنك أتيت بيت المقدس في ليلة ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهراً ؟! وهذا غباء منهم ، لكنه أفادنا نحن الآن إذ ناقشنا الكلام نجد أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقل : { إني أسريت إلى بيت المقدس في ليلة } وإنما قال : { أُسري بي } ، من الذي أسرى به ؟ الذي أسرى به هو الله سبحنه جل شأنه .

إذن المسشألة منتهية ولا مشكلة لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ليبس له دخل بالموضوع ، وفعله لا علاقة له بالقضية لأن الفاعل هو الل ، فمادام الله هو الذي أسرى به ، فلماذا نشكك في الأمر ؟ .

ومع ذلك فهذه القضية نفعتنا الآن لنعلم أن الغباء يؤدي بصاحبه إلى عكس ما قصده ، فهم حين قالوا : أتدعي أنك أتيت بيت المقدس في ليلة ، ونحن نضرب إليها أكباد الإبل في شهر … باللله عليكم لو أن الرسول كان قد قال لهم : { إنه رأى بيت المقدس في المنام } هل كانوا سيكذبونه أو يردون عليه هذا الرد ؟

إذن هم فهموا وعرفوا أنه ذهب ‘لى بيت المقدس بشحمه ولحمه بحسده وروحه ، بدليل أنهم قارنوا بين سفره وسفرهم الذي يظل شهراً وهو لم يستغرق ليلة واحدة ، فهذه نفعتنا في الرد على الذين يقولون : { إن الإسراء كان بالرؤيا أو بالروح دون الجسد }

ومعنى : { ما كان على النبي من حرج } أي من إثم أو ملامة فيما فرض الله له ، وقوله : { سنة الله في الذين خلوا من قبل } الذين خلوا من قبل إخوانه من الرسل ، كان عندهم كذا وكذا ، أو فيما قبل الإسلام كان التعدد شائعاً ويملأ الدنيا فبم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعاً من الرسل .

وهنا نلاحظ كلمة : { فيما فرض الله له } ولم يقل { فيما فرض الله عليه } أي فرض الله في صالحه .

ثم يقول تعالى : { الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ } الأحزاب 39

كأن الله سبحانه أراد أن يتكلم عن موضوع { وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ } الأحزاب 37 .

فبين لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن الرسل لا يخشون في البلاغ عن الله شيئاً فنفى عنه أن تكون الخشية في البلاغ ، إنما الخشية في الاستحياء أو مخافة أن تلوكه الألسن إنما هم لا يملكون له شيئاً ، هنا يلاحظ أن الخبر محذوف ولإلا فمن هم الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً غيره ؟ وتقديره أن هؤلاء الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ، لا يمكن أن يتهموا بأنهم خشوا الناس من أجل البلاغ ، والذي سيحاسبهم هو الله ؛ ولذلك قال تعالى : { وكفى بالله حسيباً } الأحزاب39

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: